السيد نعمة الله الجزائري

45

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

الأول الذي كلفنا تحصيله ، وقيل بناء على قاعدة الحسن العقلي ، طيب الرزق ما فيه صفة محسّنة موجبة للمدح عاجلا والثواب آجلا ، وإن لم يستقل بمعرفتها العقل وحده من دون كشف الشرع لها ، وفيه على التفسير الثاني دليل على ما ذهب إليه أصحابنا من تخصيص الرزق بالحلال ، لأنه عليه السّلام في مقام بيان النعم ، وفي قوله أجرى أيضا دليل على أنه كله منه سبحانه سواء حصل بواسطة سعينا وكدنا أم لا ، كما هو مذهب محققي المتكلمين خلافا لما ذهب إليه بعضهم ، من أن العبد إذا حصل بسعيه فهو الرازق لنفسه وهو كما ترى ، فإن الآيات والأخبار تأباه ، مع أن التوكل عليه سبحانه من أعظم درجات السعي حيث أنه جهاد مع النفس بأن تنقطع عن كل أحد إلّا عنه سبحانه ، ومن الدلائل الواضحة على تخصيص الرزق بالحلال قوله عليه السّلام في خطبة الوداع المستفيضة بين جماهير المسلمين : إن اللّه تعالى قد قسّم الأرزاق حلالا ولم يقسمها حراما ، والأشاعرة لما جعلوا الرزق متناولا للحرام أيضا فسروه بما ساقه اللّه تعالى إلى الحيوان فانتفع به ، ومن أقوى دلائلهم أنه لو لم يكن الحرام رزقا لم يكن المنتفع بطول عمره مرزوقا ، وليس كذلك لقوله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها . وأجاب عنه شيخنا البهائي ( قده ) ، بأنا لا نخص الرزق بالغذاء ، بل نريد به مطلق الانتفاع ، ولم نرد الانتفاع بالفعل بل بالتمكن منه ، وكون ذلك الشخص لم ينتفع به من وقت ولادته إلى وقت وفاته بشيء انتفاعا محللا لا رضعة من ثدي مباح ولا شربة من ماء قراح ولا نظرة محبوب ولا وصلة إلى مطلوب ، بل ولا تمكن من ذلك وقتا من أوقات عمره ، ولا ريب أن العادة تقضي بعدم وجوده ، ولو جوّزنا وجود هذا المولود المبارك لقلنا إن ذلك ليس محرما عليه ، لقوله تعالى : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، وأيضا فهو من وقت ولوج الروح فيه في بطن أمه مرزوق البتة ، بما ليس محرما عليه ، ويلزمكم النقص بحيوان عاش يوما ما مثلا ثم مات قبل أن يتناول شيئا محللا ولا محرما فما هو جوابكم فهو جوابنا ، وأقصى ما دلت عليه دلائلكم من الآيات والأخبار أنه تعالى يسوق الرزق إلى العبد ويمكّنه من الانتفاع به ، فإذا أعرض العبد عن الحلال وعدل إلى الحرام لم يكن ذلك قادحا في تحقيق رازقيته جلّ وعلا ، انتهى . « وجعل لنا الفضيلة بالملكة على جميع الخلق » الملكة القدرة والسلطنة واحتمال إرادة الكيفية الراسخة القائمة بمحلها ، وحينئذ